عبد الباقي مفتاح
17
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
مفتاح ترتيب أبواب فصوص الحكم الحكم ، جمع حكمة ، والحكمة - كما يقول الشيخ في آخر الفص العيسوي - هي : " وضع الأشياء مواضعها فلا يعدل بها عما تقتضيه وتطلبه حقائقها وصفاتها " . فكل مرتبة في الوجود موضوعة بالحكمة الإلهية في مقامها المناسب ، وقد خصص الشيخ الباب 198 من الفتوحات المكية ( ج 11 ص 421 - 470 ) لبيان مراتب الوجود الظاهرة بنفس الرحمان - بفتح الفاء - وهي ثمان وعشرون مرتبة على عدد الحروف ، لأن الإنسان مخلوق على صورة الرحمان ، فالنفس الإنساني الذي به ظهرت الحروف عند مروره عبر مخارجها ، على صورة النفس الرحماني . فخصص الشيخ في الباب 198 لكل مرتبة فصلا - من الفصل 11 إلى الفصل 38 - ومفتاح سر ترتيب أبواب الفصوص يوجد في تلك الفصول ، لكل فص فصل ، وبنفس الترتيب . ومجموع الفصوص مناسب للفصل الثامن والثلاثين الأخير لأنه ليس لهذه المرتبة وجود عيني مستقل وإنما هي عبارة عن تعيين المراتب لا عن إيجادها . فأبواب الفصوص صورة لمراتب نفس الرحمن خلال تترله من الغيب إلى الشهادة . ولقد أكد الشيخ على مفهوم نفس الرحمن في عدة أبواب من الفصوص كالباب العاشر الهودي ، والباب الثاني عشر الشعيي ، والباب الخامس عشر العيسوي ، والباب الثاني والعشرين الإلياسي ، والباب السابع والعشرين المحمدي . ولعلاقة الفصوص بالنفس اختار الشيخ لفظة ( كلمة ) في عنوان كل فص . ومما يؤكد العلاقة بين الفصوص والباب 198 هو أنهما كتبا في نفس الفترة . فالشيخ يقول في الفصل 27 من الباب 198 أنه كتبه في آخر ربيع الآخر سنة 627 ه . وفي مقدمة الفصوص يقول إنه شرع في كتابتها في أواخر محرم من نفس تلك السنة . فكأن أبواب الفصوص كتبت بالتوازي مع فصول مراتب الكون في نفس الرحمن ، من الباب 198 من الفتوحات . ومما يزيد هذه العلاقة بين نفس الرحمن والفصوص تأكيدا ما ذكره الجندي عن كيفية أخذه لكتاب الفصوص ، حيث يقول : إنه عند سماعه لشيخه محمد صدر الدين القونوي وهو يشرح خطبة الفصوص أخذهما حال نفح فيه النفس الرحماني بنفحاته ففهم به مضمون الكتاب كله . وهو نفس ما وقع للقونوي مع شيخه الشيخ الأكبر خلال شرحه للخطبة . وموقع هذا النفس في نص الخطبة يظهر خصوصا في قوله : هذه الرحمة التي وسعتكم فوسّعوا